15 jun 2016

أعد برمجة حياتك حسب تعليمات الخالق البارئ المصور


بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)
قال العلماء أن الله تبارك وتعالى ينادي عليك ليأمرك بخير أو ينهاك عن شر، وهذا ما سوف نجده في كل نداء سنتعرض له بالدراسة والتدبر .. وما توفيقي إلا بالله.
نهانا الله تبارك وتعالى عن هذه الكلمة (( كلمة راعنا )) في أول نداء منه سبحانه وتعالى لمن به آمن ..
وهذا في حد ذاته يجعلنا نأخذ الكلمة على أنها عمدة في قاموس الكلمات المحظورة والتى حرمها ربنا على كل من به آمن .. وهي عمدة الكلام الخبيث.
ولدينا بعض الآيات التى توضح لنا أهمية هذا النداء في إعادة برمجة عقولنا من جديد، منها سنكتشف بإذن الله أهمية الكلمة وبالتالي أهمية هذا النداء في حياتنا العامة والخاصة، فتابعوني بتدبر وتأني رحمكم الله:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)
[ سورة إبراهيم ].
الآن عرفنا أن الكلام كله على مختلف أجناسه وأوطانه ولغاته ولهجاته من الجن والإنس ينقسم إلى طيب وخبيث.
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)
نستخلص هنا عدة نقاط في منتهى الروعة والأهمية .. أن الإيمان بالله العلي العظيم والإخلاص له وحده هو مدخلنا الواسع والكبير والمضمون والآمن إلى الثبات في الدنيا والآخرة... ودليل ذلك القول الثابت .. وقد ضرب لنا سيدنا بلال رضي الله عنه المثل في ذلك عندما كانوا يعذبونه بالنار وهو ثابت على كلمة أحد أحد .
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ
نقطة أخرى أن الظلم معناه الضلال .. والضلال معناه كلمة خبيثة غير ثابتة ونية خبيثة وشخصية مذبذبة ومزعزعة ومهزوزة  بدليل الآية التالية:
وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)
إذا فالمؤمن القوي له شخصية قوية، وهو على الحق ثابت غيز مزعزع، وكلامه طيب ومعقول ويسد أفواه الشياطين، كما سنرى ذلك من الآيات التالية:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)
[ سورة النساء ]
إذا القول السديد كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ومن ثمارها أن تكون الذرية الضعاف الذين نخاف عليهم في أمن وآمان من العزيز الحميد لأنه هو القاهر فوق عباده وهو الحي القيوم الذي لا يموت والجن والإنس يموتون.
وعن القول السديد لنا موقف رائع في سورة الأحزاب:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)
القول السديد هو كل كلمة صادقة طيبة.. وهذه الكلمة لها من القوة من لدن الرحمن الرحيم ما بها تصلح لنا أعمالنا بإذن الله وبفضله .. وهذا من روائع الإيمان ومن عجائب قدرة الرحمن .. اللهم ارزقنا القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
[ سورة فاطر ].
الكلمة الطيبة يعمل عليها عقلنا الباطن تلقائيا، عندما نكررها ونصر على عدم الكلام بالخبيث من القول، فيقوم عقلنا الباطن بدعم أفكارنا عند كل موقف من مواقف الحياة بالكلمات الطيبة التى اختزنها سابقا في الذاكرة، ( إقرأ لو شئت كتاب قوة التفكير للدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله ).
ثم لدينا في سورة فصلت دورة تدريبية ربانية إذا ما حققناها وفَّعلناها سنحظى بصحبة الملائكة الكرام يطمئنونا ويبشرونا بجنة عرضها كعرض السماء والأرض بدليل الآية التالية:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)
الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .. كلمة صادقة والدليل على صدقها الإستقامة، كان من شأنها ذهاب الحزن وقهر الخوف والسير مرفوع الرأس والهامة محبب من الله وملائكته وجميع خلقه.. اللهم أجعلنا من هؤلاء يا كريم يا حنان يا منان فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
درجة أخرى من العلو والرقي والسمو، ومكانة يتنافس عليها الجهابذة المتقين، وهي غاية كل عاقل محب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم .. فالقول السديد يجعلنا من الدعاة إلى الله بصدق وربما بصمت فكل أفعال صاحب الكلمة الطيبة والقول الحسن محببة إلى الله وإلى الناس.
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
ميزة أخرى يمن علينا بها ربنا سبحانه وتعالى عندما نستقيم على أمره ورضوانه يجعل من أعداءنا خادمين لنا، ويشرح لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات من سورة فصلت شرحا وافيا ومحببا إلى كل نفس، فتابعونا رحمكم الله:
(حديث مرفوع) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْني ابْنَ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ :
" إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ " .
إذا علينا أن ندقق جيدا فيما نقول قبل أن نقول.. أما الآن سنستعرض ما جاء في كتاب الله عن القول .. وعن الكلمة .. وعن العمل الصالح:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ
سورة البقرة.
القول الحسن ميثاق غليظ من الله العلي الكبير.. وهذه تجبرنا أن نبرمج عقولنا من جديد على أن لا نرد الإساءة بمثلها فنكون والمسيئ على حد سواء.. وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(حديث قدسي) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةً ، قَالَ :
" إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ " .
إذا هذه هي الأخلاق التى يجب أن نبرمج عقولنا عليها أثناء رمضان حتى تتأصل فينا وتصبح من أخلاقنا التى تعمل عليها عقولنا بصورة تلقائية..
ولكن هناك سر كبير يساعدنا على أن نفعل ذلك بغير جهد ولا عناء ولا مشقة، بل نفعله بطيب خاطر ويجعلنا نفعله مقبلين عليه بنهم كما نقبل على ما نشتهي من الخير:
وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الإسراع إلى الله بالتوبة والإستغفار من قبل أن تتمكن منا مشاعرنا المضادة وتكون حائلا بيننا وبين كظم الغيظ .. أي يجب أن نكون في حالة توبة واستغفار في جميع أوقات حياتنا وفي حالات الرخاء حتى إذا ما غضبنا استطعنا أن نكظم غيظنا.. إنه تدريب عملي يحتاج لممارسة مع بعض الوقت حتى تتعود عليه نفوسنا فنكون كما أخبرنا ربنا في محكم آياته:
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)
اجتناب كبائر الإثم من معطيات كظم الغيظ والعفو عن الناس، ونتيجة كل ذلك نجده في الآية التالية على هذه من سورة الشورى:
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
من أجمل صفات هؤلاء أن أمرهم شورى بينهم، تجده يستشير أهله أو أهل علمه أو أهل مهنته أو أهل الذكر، وتجده دائما ينفق من حلمه وصبره وعلمه وقدرته على التسامح، والنتيجة الحتمية لكل ذلك أنهم إذا ما أصابهم البغي هم ينتصرون، لا ينتصر بذاتية فيه ولكن ينتصر بأمر الله لأنه استجاب لله رب العالمين.
وقال الله تبارك وتعالى أيضا في نفس ا لموضوع:‏
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ ‏عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ‏بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ ‏مُشْتَرِكُونَ (39)‏
‏( سورة الزخرف)‏
في اللحظة التى نغفل فيها عن ذكر الله، نجد أفكارا سلبية ومشاعر بغيضة مقيدة بقيد قوي في نفوسنا، والحل هو أن نسرع إلى ذكر الله ونستغفره ونتوب إليه، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى أمرنا:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
[ سورة الأحزاب ]
وفي النداء الثاني سنجد إن شاء الله أن الذكر هو مفتاح من مفاتيح الصبر الجميل، جميل في صوره كلها وجميل في مذاقه لأن الصبر له نفس طعم الإيمان بالله العلي العظيم فانتظرونا إن شاء الله غدا .
خلاصة مستفادة:
  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
  • وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ

ذكر الله كثيرا هو حبل النجاة الذي ينقذنا به ربنا من الظلومات إلى النور، وعدم ذكر الله يجلب لنا ضنكا وحزنا وكآبة ويجعلنا لعبة في أيد شياطين الجن والإنس.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

11 may 2016

ضع في دعائك كل ما تتمنى ثم لا تتنازل عن ما تريد من خير


الدعاءُ طاعةٌ لله، وامتثال لأمره
قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ". [سورة غافر: الآية 60]
الدعاء عبادة
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ". [رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني]
الدعاء أكرم شيء على الله تعالى
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الدُّعَاءِ". [رواه أحمد والبخاري، وابن ماجة، والترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي]
الدعاء سبب لدفع غضب الله
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ". [رواه الترمذيُّ، وابن ماجةَ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني]
الدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكَياسة
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنْ الدُّعَاءِ وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ". [رواه ابن حبان وصححه الألباني]
الدعاء سبب لرفع البلاء
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ". [رواه الترمذي وحسنه الألباني ]
الداعي في معيةُ الله
قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يقول الله عز وجل: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي". [رواه مسلم]
فضل الدعاء في السجود
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ". [رواه مسلم]
فضل الدعاء بالليل
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ". [رواه مسلم]
فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ : وَلَكَ بِمِثْلٍ". [رواه مسلم]


7 may 2016

الحب أصل وغاية من أصول الحياة

الحب الإلهي الخالد
به نحصل على سعادتنا الأبدية
وبه تصحو فينا كل المشاعر النبيله
وبه تفتح لنا الأبواب في طريقنا إلى العلا
وبه تنمو وتترعرع الإنسانية وتتخلص من كل ماهو مزموم
اللهم إنا نسألك حبك وحب من أحبك وحب عملا يقربنا إلى حبك.
******
السلام عليكم ورحمة الله
لكل فارس نبيل غاية نبيلة، ولكل غاية نبيلة جنود من عند الله يجعلهم المولى عز وجل في خدمة الفارس أينما توجه...
وإن أجمل ما في الإنسان هو مشاعره النبيلة، لأن المشاعر النبيلة ثابتة لا تتغير، وكلما مر عليها الزمن بما يحمل من متغيرات وإبتلاءات كلما زادت رسوخا في النفس وتثبيتا...
وفي نهاية المطاف ينعم العبد بحب مولاه فيسمو ويرقي ويصعد ويسعد حتى يوم يلقاه، فهنيئا لمن بحب الرحمن قد فاز، فلا تبخل به على من حولك من الناس...
فالحب دفئ يسري في النفوس فيحيها، ألم تسمع قول ربك يحدث عن نبي الرحمة والهدى يقول عز وجل:
{{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)} سورة الأنفال.
فبالحب استجبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالحب نحيا على ذكراه، وبالحب نتوق لرؤياه،  وبالحب نعطى وبالحب تتوحد الغايات النبيلة، وبالحب نصل إلى مرادنا من عطاء الله، وبالحب تأتلف قلوبنا وتتوحد وتنمو فينا المشاعر...
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ { آل عمر ان  }
*******
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)  آل عمران.
إذا المسألة ليست فقط صلاة وصوم .. إنما هي علاقة بين العبد وربه، أساسها الحب.. حب كبير .. منزه عن كل شيء .. حب إلهي ورباني .. حب خالد بخلود السموات والآرض.. حب متبادل ، قد  بدأ به المولى عز وجل، بدليل الآية.
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)
عيون الإنسان العاقل، يكون أول نطباع يشعر به عندما ينظر إلى صفحات الكون، هو أن يقول سبحان الله فيما خلق وابدع...
فأنت يعقلك إن كان واعيا ويقظا لا تملك إلا أن تحب هذا الخالق العظيم... لأن الإنسان جبل{ أي خُلق } على حب الكمال والنوال والجمال... فأنت أينما وجهت عقلك فلا تملك إلا أن تقول تبارك الله أحسن الخالقين... وهذا في حد ذاته حب وأعجاب..
ثم إذا سمعت القرآن وأنصت له .. فإنك تجد نفسك قد ذابت وتلاشت وتضائلت من هول وعظمة ما سمعت من كلام الله....  وهذا في حد ذاته حب وأعجاب بالله العلي العظيم...
وأنت عندما تقرأ كتابا به كم هائل من المعلومات  الرهيبة، فإنك لا تملك إلا أن تقول سبحان من علم الإنسان ما لم يعلم، وهذا في حد ذاته حب وأعجاب وتقدير  لله العلي العظيم...
وأنت عندما تتزوج وتستمع بما أحل الله لك... فلو كان عندك قلب حي يؤمن بالله لسجدت لله شكرا على أن أنقذك من الحرام ومتعك بالحلال..... وهذا في حد ذاته حب وإعزاز وتقدير لله العلي العظيم ...
وعندما يهديك الله من فضله ثمرة هذا الزواج في صورة طفل جميل يدخل السعادة والسرور على كل من يراه... ويكون هو زينة تزين بها حياتك الزوجية، وتسعد بها إلى ماشاء الله، وتستشعر في أعماقك هذا الفضل من الله،  فهذا حب وتقدير لله العلي العظيم.
ثم إليك أخي في الله وأختي في الله كلام رب العالمين الذي يتكلم فيه كلاما واضحا وضوح الشمس عن الحب....
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ التوبة 24
العاقل هو من يوجه حبه لمن أعطاه القدرة على الحب، فيشكر له أولا ويتوجه إليه سبحانه مع من أحب عابدين طائعين لله العلي العظيم وحده... فهذا هو الحب الحقيقي الذي لا تخبت طاقته، حبا يضيئ لك حياتك وحياة من أحببت، لذلك الحب في الله هو من علامات الإيمان الصادق القوي.
ثم إليك مزيد من الآيات التى تثبت محبة الله للعبد.... والإنسان عادة يحب من أحبه... ويحب من أحسن إليه...
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ
أيات كثيرة  تدلنا على كيفية الحصول على حب الله لنا... ثم كيف بالله عليك أن يكون هناك عاقل يتمتع بعقل سليم ولا يخر ساجدا لله العلي العظيم ...
إن القلب يؤمن بالحقائق لأنه يراها أكثر يقينا ووضوحا من العقل الذي يعتمد على الحواس الخمس، ... ومع ذلك فكثيرا من الأحيان يقع الإنسان في حب الله بعقله قبل قلبه... لأن العقل قد أدرك حقائق الكون بالنظر والبحث فيها فعرف قدرة الخالق العظيم سبحانه فأحبه...
حتى الذين هم بعيدين كل البعد عن الدين والإيمان.. عندما يتكلمون عن الحب فإنهم يصنفونه إلى صنفين ، صنف عاطفي ، أن يحب الإنسان بعاطفته، وصنف عقلي بحت، وهو أن يحب بعقله....
أما المؤمن فكل خلجة فيه تحب خالقها.. كل شعرة في جسده، كل نفس، كل ضخة دم تجري في قلبه، كل عاطفة ، .. وإن لم تكن تصدق ذلك ، فاسمع كلام ربك:
إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) مريم
هنا يخر  ساجدا لله  من شدة تأثره بما سمع من آيات الله... لكن قل لي بالله عليك لماذا يبكي؟ .. أنه يبكي من شدة الوجد.. يبكي لوعة وحسرة على ماضاع من عمره بعيدا عن مولاه وطاعته،  يبكي خوفا وطمعا.. ويبكي شوقا وحبا.. يبكي لوعة من البعد، يبكي متمنيا رضا ربه.... هذه حال المحب المطيع لربه وخالقه...
إن أحببت شخصا بشدة، وخفت فراقه، وأردت الإحتفاظ به دائما في حياتك، أجعل حبك له في الله، خذ بيده وسيروا معا في طريق مرضاة الله والتفكر في آيات الله وخلقه، تقربوا إلى الله بعبادة مشتركة تقومان بها معا، ولينظر كل منكما إلى نعم الله عليكما الظاهرة والباطنة ، ثم كونوا مع الراكعين... تفكرا سويا في الآية التالية:
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) الروم
هنا أجتمع الزوج والزوجة وكل منهم يرى في الآخر آية من آيات الله.. هو يسكن إليها، وهي تحتويه بحنانها وعطفها، هو يقوم على خدمتها، وهي تسهر على راحته، هو يقدم لها أغلى ما حصل عليه من عمله خارج بيته، { وهو الكسب الحلال والعمل الصالح} وهي ترفع يديها لله داعية له أن يجازيه عنها خيرا...
وكلما مرت الأيام بينهما زاد حبهما لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم  ولكل خلق الله...
كلما مرت الشهور بينهما زادت رؤيتهما معا للحقائق، ومعالي الأمور... وكلما مرت السنون بينهما كبرت وترعرت في بيتهما الحكمة والعدل والآمان... فنعم الله لا تعد ولا تحصى فصدق من قال:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) النحل.
اللهم اجعلها خالصة لوجهك الكريم، واجعلها دليلا على الحب في الله وبالله ولله، فهذا هو الحب الخالد الحقيقي الذي يزداد نورا وتأصلا كلما مرت به الأيام.

6 may 2016

راحة قلبك لا يملكها إلا ربك


رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ ‏لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9)‏
ثم يفصل لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثيات إجابة هذا الدعاء القرآني العظيم:
عَنْ ابْن عبَّاس رضي اللَّه عنهما أيْضاً أَنَّ رسول اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كانَ يقُولُ ‏‏:
‏‏«" اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَنْ أَضِلَّ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ " »
((متفقٌ عليه)) .‏
دائما وأبدا يضع لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث في صورة خطوات أو معطيات أو حيثيات ثم بعد ذلك يبين لنا النتيجة، فتابعونا رحمكم الله لتتأكدوا معي من هذا:
·        ‏‏اللَّهُم لَكَ ‏أسْلَمْتُ (( خطوة أولى )).
·        وبِكَ آمنْتُ ، (( خطوة ثانية ))
·         وعليكَ توَكَّلْتُ، (( خطوة ثالثة ))
·         وإلَيكَ أنَبْتُ (( خطوة رابعة أو سبب من الأسباب المتبعة)).
والنتيجة الحتمية هي:
وبِكَ خاصَمْتُ
يعني لو أننا أسلمنا واستسلمنا حقيقة لله سيتحقق لنا الإيمان به سبحانه، وإن تحقق لنا الإيمان فعلا أي بصدق وعزم ونية خالصة فسوف نتوكل عليه، فإذا توكلنا عليه سيجعلنا ذلك بصورة تلقائية منيبين إليه، أي دائما نعود إليه ونرجع في كل أمورنا.. الآن دققوا:
دليل كل ذلك هو:
<< وبِكَ خاصَمْتُ >>
الآن هل نخاصم بالله وفي الله ولله ؟ إن كان ذلك كذلك فقد صحت خطوات الإيمان بإذن الله وبفضله..
الآن وجب على كل منا أن ينظر في خصامه.. مع من يتخاصم ولماذا؟ وسوف نجد ما سوف يجعلنا في دهشة قوية وندم ورغبة في الرجوع إلى الله..
فكل ما يحدث بين البشر هو إما إتباع هوى النفس أو خطوات الشيطان، يتخاصم الأهل والأصدقاء لأتفه الأسباب.. وهذا دليل عدم اتباع الخطوات التى أوضحها لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه ..
إذا فنحن نتخاصم مع أهلنا وأصدقاءنا وجيراننا للأسباب التالية:
·        لم نطبق ((اللَّهُم لَكَ ‏أسْلَمْتُ)).
·        ولم نطبق ((وبِكَ آمنْتُ)).
·        ولم نطبق ((وعليكَ توَكَّلْتُ)).
·        ثم لم نطبق ((وإلَيكَ أنَبْتُ)).
·        وبالتالي لا نستطيع أن نقول بصدق ((وبِكَ خاصَمْتُ)).. لأن الخصومة المقصودة هنا هي أن نخاصم في الله، أي كل من خالف أمر الله حتى ولو كان ذا قربى.
ثم من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا أهل هذا العصر والعصور المقبلة يضع لنا الحل الأمثل ويترك لنا بابا كبيرا واسعا لنعود منه إلى الله العزيز الحكيم والغفور الرحيم في ختام دعاءه
((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ أَنْ أَضِلَّ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ)).
قصة نقلتها لحضراتكم من صفحة لفضيلة الدكتور النابلسي في شرح هذا الحديث:
تروي الكتب: أن رجلاً صالحاً اسمه حاتم الأصم، هذا الرجل أراد أن يحج بيت الله الحرام، ويبدو أنه لا يملك ما يكفي للنفقة على عياله، وتاقت نفسه إلى الحج، فاستأذن أولاده وزوجته فلم يأذنوا له: إلى أين؟ إلى مَن تتركنا؟ إلا أن بنتاً له صالحةً, قالت له:
يا أبتِ اذهب فأنت لست برازق، الله يرزقنا، فيبدو أنهم سكتوا، وكأن كلمتها ألقت على قلبه طمأنينةً, فرحل، وذهب إلى بيت الله الحرام حاجاً، بعد أيامٍ نفد الطعام والشراب، فدخل أولاده وزوجته على هذه البنت الصالحة الطيِّبة ليعنِّفوها: أين الطعام؟ مَن يأتينا بالطعام؟ أنت قلتِ لأبيكِ: اذهب وحج بيت الله الحرام فإنك لست رزَّاقاً، ماذا نفعل؟.
تروي القصة: أن هذه البنت دخلت إلى غرفتها، وتوسلت إلى الله عز وجل أن يرزقها ، فالذي حصل أن أمير المدينة كان في جولة تفقدية، وصل إلى بيت حاتم الأصم, فشعر بعطشٍ شديد، فقال لأحد رجاله: آتوني بكأسٍ من الماء،
طرقوا باب حاتم الأصم, وقالوا: الأمير يطلب كأس ماء، أهل البيت اجتهدوا أن يكون الكأس نظيفاً، والماء بارداً, هذا الأمير شرب حتى ارتوى، وأذاقه الله أطيب طعمٍ لهذا الماء، فلما انتهى من شربه قال: بيت مَن هذا ؟.
قالوا: بيت حاتم الأصم.
قال: هذا الرجل الصالح؟.
قالوا: نعم.
فقال: لنسلم عليه.
قالوا: هو في الحج.
قال: إذاً له علينا حق، معه صرة من ذهب فأعطاهم إياها، ولم يكتفِ بهذا، قال لمَن حوله: من أحبني فليفعل فعلي.
فجأة انهالت الدنانير الذهبية على أهل هذا البيت، واغتنوا لعام تقريباً، دخلوا على هذه البنت الصالحة، فإذا هي تبكي، قالوا لها: ما لكِ تبكين، وقد أغنانا الله عز وجل؟!.
قالت: أبكي لأن إنساناً نظر إلينا فأغنانا، فكيف لو نظر إلينا خالق الأكوان؟!:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]