14 feb 2016

العفو هو الوسيلة الربانية لتفريغ غيظ قلوبنا

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ سورة آل عمران ]
خلال النهار وخلال حياتنا اليومية التى نمارسها تقريبا بشكل تلقائي وبناء على البرمجة التلقائية التى يقوم بها عقلنا الباطن تترسب ردود فعل كبتناها، لم نقوم بها، ويحتار العقل ماذا يفعل بها، فيخزنها في ملف السلبيات، والنفس تظل مكبوتة مغتاظة تتحين الفرصة لتصيح أو لتنفجر في أحد الناس

    يمر اليوم ويأتي موعد النوم، ننام لأننا مجهدين، وننام لأن الله أراد أن يرحمنا بالنوم، وهنا ينشط العقل الباطن، مع النفس وما بها من كبت، فنرى ما يفزعنا ويقلقنا، ويذهب عنا هدوء النوم، وهنا يأتي دور سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمنا ويدربنا كيف نتخلص من فزع النو م ومن الأحلام المزعجة ومن همزات الشياطين .

    وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
في كل مرة نكظم فيها غيظنا لابد من عملية التفريغ بعدها، أن نفرغ ما في قلوبنا من غيظ وذلك بالعفو عن الناس لكي يعفو الله عنا، ثم نزكي أنفسنا بعملية الإنفاق ويا حبذا لو أنفقنا على من أغاظنا ولو بكلمة طيبة ندعو له فيها بالهداية.. هنا سترتاح نفوسنا وتطمئن قلوبنا وتسمو وترقى أفكارنا.
هذا والله أعلى وأعلم




11 feb 2016

راحة بالك من راحة قلبك وكله بيد الله


[ سورة الأحزاب]
الراوي: أنس بن مالك المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الترغيب - خلاصة حكم المحدث: حسن.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)
[ سورة الأحزاب]
وهل يطمع شخص في أفضل من هذا الفوز العظيم من لدن العلي العظيم؟
من أجل أن تدوم العلاقة بين اثنين يجب أن يكون هناك هدف مشترك بينهما، ويجب أن يتعرف كل منهما على نقاط القوة في الآخر لينميها ويستفيد منها، مع العلم أن الطاقة الموجودة بداخلنا عندما نكتشفها وننميها فإنها تتوالد تماما كالخلية الحية تتوالد وتتكاثر ثم يأتي وقت حصاد ثمرها .
ومن فضل الله تبارك وتعالى أنه جعل لكل طاقة بداخلنا نكتشفها ونضعها في حيز التطبيق الجو والمناخ المناسب لتنمو وتكبر وتترعرع، وذلك بدليل الآية التالية:
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
[سورة إبراهيم 37].
لابد من الحركة، والأخذ بالأسباب، ولابد أن يعمل كل واحد من أجل راحة الآخر، وذلك لن يكون إلا إذا كان الحب في الله [ بمعنى أن يتقي الله فيها وتتقي الله فيه].
كلنا يعرف الآن الخير الوفير في مكة المكرمة، أجمل ما في العالم من كل شيء تجده هناك، إذا كل ما علينا عمله لنقتل الفتور الذي يصيب مشاعرنا وأفكارنا هو أن نفعل كما فعل سيدنا إبراهيم، نبحث عن سكن نفسي، وسكن روحي، وسكن فكري، مع من نعيش ونتمنى له الخير.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
[سورة محمد].
لا شك أن راحة البال هي غاية جميلة يتمناها كل إنسان، بل هي الهدف الأساسي الذي نبني عليه حياتنا العامة والخاصة، إنه الإستقرار النفسي والمادي والعاطفي والفكري كل ذلك من عوامل راحة البال..
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
إذا السيئات التى نرتكبها هي التى تقضي على راحة بالنا، ونشعر بعدم راحة البال عندما يصيبنا القلق من أي جهة، أو يصيبنا الفتور العاطفي أو الفكري، فيبدأ القلق، وتبدأ الوسوسة، والحل هو :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ :
" لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ " .
لو نظرنا في الآية السابقة وو ضعناها جنبا إلى جنب مع هذا الحديث النبوي الشريف لأستطعنا أن نرى بوضوح أن من طبيعة البشر أن يهوى راحة باله، أن يحب ما يسعده أن يتمنى أمنه وآمانه واستقراره وكل ذلك من عوامل راحة البال..
الآن دققوا معي رحمكم الله، سنضع الحديث الشريف جنبا إلى جنب مع هذه الآية الكريمة ونتدبرهما معا تدبر القلب ‏المحب المطيع لمن يحب...‏
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
" لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ "
سنكتشف أن كلمة الإيمان أحيانا يكون معناها الحب، وأحيانا تحمل معنى زيادة الإيمان، وأحيانا تعني الإقبال على الله، وأحيانا تعنى الطاعة والإخلاص لله، فالإيمان مرتبط ارتباطا وثيقا بمشاعرنا وعقيدتنا وأفكارنا ، فعندما نرتاح في علاقاتنا مع الله فإننا نهوى ونعشق هذا ولا نستطيع العيش بدونه..
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
مما لا شك فيه أن كل واحد من الزوجين يهوى شيئا في الآخر، والذي يحدث أننا ننشغل عن ما نهوى، فيتلاشى رويدا رويدا من حياتنا، وتأخذنا بل تقتنصنا العادات والأعمال والروتين اليومي، ويتحول هذا الروتين إلى العلاقات الزوجية، فهو قد اعتاد ما تفعل هي، وهي كذلك..
ولكن المرأة جعل الله فيها خاصية مهمة جدا، فهي تشعر بنقص الحب، ونقص الإهتمام، وفتور المشاعر...
وفي الوقت نفسه جعل الله في المرأة قدرة فائقة تجذب بها زوجها وتشده شدا، ولكن ضغوط الحياة ومشاكلها تضغط بشدة على هذه الخاصية في المرأة، فبدلا من استعمالها واستغلالها فهي أحيانا تكتفي بالشكوى ولا تتقدم خطوة واحدة من أجل إنقاذ حياتهما أو حبهما، ثم تفعل مثله تماما وتلقي اللوم عليه أو عليها.
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
( سورة النساء 128)
يا سبحان الله، لقد حمّل الله المرأة المسئولية في الحفاظ على زوجها، فهي إن رأت منه إعراضا أو جفاءا أو أهمالا أو ميولا إلى أخرى عليها أن تحاول إصلاح هذا فإن فشلت فلتستدعي أحد الناس من أهل الخير وأهل الثقة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
لا يجب بحال من الأحوال أن يترك أحدهما أو كلاهما التعامل بعفوية، وبصدق وأمانة، ويجب الأخذ بكل أسباب الإستمرار .. حتى إذا نفذت أسباب أحدهما دعى الله مخلصا له الدين أن يصلح لهما حالهما .. القول السديد كالعصا السحرية في يد الساحر أو           [ EL MAGO ]




8 feb 2016

كلما زاد علمك زادت ثقتك بنفسك وزادت رؤيتك للحق

بوستر حرر عقلك.png

عندما يجتمع العلم والأيمان في قلب رجل فهذا معناه أنه يستطيع أن يحكم العالم بأسره حكما عادلا منصفا بما أنزل الله في كتابه.. وذلك في جميع نواحي الحياة الإقتصادية والسياسية والفكرية والإجتماعية والمنطقية والصحية .حتى في الآخرة يقول المولى تبارك وتعالى عنهم :

{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } الروم.
وقال الله تبارك وتعالى \ك
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
وقال أيضا تبارك وتعالى :
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
(حديث مرفوع) ثنا هُذَيْلٌ الْحِمَّانِيُّ ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ " .

4 feb 2016

إذا اتعبتك ثقتك بالناس فثق تماما برب الناس

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
الضمير هنا يعود إلى الإستعانة بالله العلي العظيم، أي أن الذي لا يخشع قلبه لله الواحد القهار لا يستعين به سبحانه، لأنها كبيرة عليه، وتجده يستعين ويستغيث بمثله من البشر ممن لا يقدرون على شيء إلا بأمر الله، إذا فالإستعانة بالله والخشوع له سبحانه قرناء جميعا، إذا غاب أحدهما غاب الآخر.
شرح فضيلة الدكتور/ محمد هدايا.
وقال الله تبارك وتعالى:
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
فتنة بمعنى اختبار، كالذي يدرس في كلية الطب أو الهندسة لا يمكن أن يكون طبيبا أو مهندسا أو غير ذلك إلا إذا تجاوز الإمتحان بنجاح.
إذا فالله تبارك وتعالى يبتلينا حتى نخشع له سبحانه، وغالبا ما نفعل ذلك عندما يصيبنا ما نكره ( الشر) والفطن النبيه هو الذي يستعين بالله العلي العظيم في كل أمور حياته ومع كل إبتلاء من العزيز الحميد، خاصة وقد عرفنا أن الإبتلاء يكون بالعطاء أو المنع، أي بالخير أو الشر، أي بما نحب وأيضا بما نكره.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
هذا ما تعلمناه من فاتحة الكتاب، نعبد الله ونستعين به .. وكأن أي عبادة يلزمها إستعانة، فكيف نعبد الله ولا نستعين به؟
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
إذا العبادة إستسلام لله والإستعانة هي ثقة به تبارك وتعالى
وهنا لدينا آفاق أخرى عميقة جدا، إذا عندما يقل الإيمان فعلينا أن نستعين بالله بمزيد من عبادته، العبادة هي تمهيد النفس وترويضها لتستسلم لله رب العالمين.. ومن له دراية بمعالجة النفس يعرف مدى حاجته للإستعانة عليها بالله العلي العظيم .
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
بالصبر والصلاة نكون في معية الله تبارك وتعالى، وعلى الصبر نستعين به ليفرغ علينا صبرا ويثبت أقدامنا وقلوبنا على دينه.
إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ
إذا المداومة على الصلاة أكبر علاج للنفس في حالة هلعها وجزعها وامتناعها، لأننا نصلى بفاتحة الكتاب.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
لذلك كلما أصابنا شيء من الشر فعلينا أن نستعين بالله، والفطن هو الذي يستعين بالله حتى عندما يصيبه ما يفرحه، فإن أصاب مال أو جاه أو علم أو منصب فليستعين بالله العلي العظيم شكرا وعرفانا ليكون عبدا شكورا، ولكي يوجهه الله إلى أوجه الخير.
يقول فضيلة الدكتور النابلسي جزاه الله خيرا:
فكل إنسان يعاني من نقص في حياته, نقول: هذا نقص في استعانتك لا نقص في ‏قدراتك, وكل إنسان حقق شيئاً نقول له: هذا ليس من ذكائك ولا من قدراتك, ولكن من ‏توفيق الله لك.‏
هذا الكلام هو عين العقل، فكل فرحة مع الوقت تذوب وتختفي، فالإنسان أبن المتغيرات وقلبه يتقلب دائما من حال إلى حال.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
وكلما داومنا على الذكر كلما ظل نور الله ساطعا في قلوبنا .. بجانب أننا لا يمكن أبدا بحال من الأحوال أن نشعر بالطمأنينة والأمن والآمان إلا بذكر الله تبارك وتعالى، مع ملاحظة أن كل ما يعكر علينا صفو حياتنا هو سلبي وهو من الظلومات وهو من الشيطان، لذلك جعل الله الذكر والتسبيح حبال للنجاة ليخرجنا من الظلومات إلى النور بإذنه.
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)
ذكر الله لنا معناه أنه يعطينا كل ما نحتاج، يعيننا ويعطينا ويكفينا ويسلمنا من كل شر ومن كل سوء، ذكر الله لنا معناه أننا أحياء غير أموات، ننعم بنعمه سبحانه ونتمتع بذكره وشكره بالصبر والصلاة وهذا نجده في الآية التالية على هذه مباشرة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
[سورة البقرة]
أي أنه بذكر الله فهو سبحانه وتعالى معنا يمدنا بالحكمة والرؤية الواضحة لكل معاني الحياة الجميلة، فذكرنا لله راحة قلبية وسعة صدر وفهم عميق لبواطن الأمور، وذلك لأن ذكر الله نور.
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
إذا الإستعانة بالله العلي العظيم على الصبر، والصبر يكون جميلا إذا عرفنا أنه سبيلنا الوحيد إلى ما عند الله من خير ونعم عظيمة بعظمة العاطي الوهاب.
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
[ سورة الزمر].
المسلم حاله الدائم نجده في :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
دائما هو في كنف الرحمن الرحيم، وحاله الدائم هو الحمد لله رب العالمين، ورجاءه ينحصر في اهدنا الصراط المستقيم، وغاية أمله في الدنيا والآخرة هو أن يكون على صراط الذين أنعم الله عليهم، وأخوف ما يخافه ويخشاه أن يكون من المغضوب عليهم أو من الضالين.
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
[ سورة النور ].
إذا  كنا نخاف يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار فعلينا بذكر الله، والإبتعاد عن الغفلة ولو لحظة واحدة، لأن عواقب الغفلة نجدها فيما يلي:
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
كلمة يعش من العشى الليلي، أي من لا يرى بنور الله فهذا معناه أن الشيطان قد وضع على عينيه غشاوة وفي سمعه وقرا، ويصور له أنه على حق والنتيجة هي ضلال بعيد والعياذ بالله العلي العظيم.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى
وهكذا قد جعل الله لنا علامة نعرف بها أين نحن بالضبط من ذكر الله، فكل ضنك يصيبنا هذا معناه أننا بعيد عن ذكر الله، لأن ذكر الله يكون كثيرا كثيرا كثيرا، ويكون في الصباح والمساء والظهيرة وقبل العصر وبعده وفي جميع أوقاتنا، باللسان وبالقلب وبالتفكر في خلق الله وآياته.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وادخلنا اللهم برحمتك في عبادك الصالحين واجعلنا اللهم من الذاكرين لك كثيرا والمسبحين بحمدك في جميع حالاتنا وفي كل أوقاتنا.

2 feb 2016

كل نقص في حياتنا يقابله نقص في الإستعانة بالله العلي العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
العبادة علة وجود الإنسان على سطح الأرض :
أيها الأخوة, لا زلنا في الحديث عن الحكمة؛ لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
وقد ورد:
((أعطيت داود وسليمان علماً, وأعطيت إبراهيم رشده, وأعطيت موسى وهارون الفرقان والضياء, وأعطيت عيسى بن مريم البينات, وأيدته بروح القدس, وفضلت أمة موسى على عالمي زمانهم, فما الذي أعطيتني وأعطيت أمتي؟ فقال الله عز وجل: أعطيتك -يا محمد- سبعاً من المثاني, والقرآن العظيم, وأعطيت أمتك الحكمة))
[ ورد في الأثر]
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
الحقيقة ورد:
((أن القرآن جمع في الفاتحة, وأن الفاتحة جمعت في (إياك نعبد وإياك نستعين))
[ورد في الأثر]
وأن علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله.
كيف أنك إذا ذهبت إلى بلد بعيد, أرسلتك حكومتك لتنال الدكتوراه, وتعود إلى بلدك, لتحتل منصباً رفيعاً جداً, وتكرم أعلى تكريم, فإن ذهبت إلى هذا البلد البعيد, لك فيه مهمة واحدة؛ أن تدرس, وأن تأتي بالشهادة, مع أن هناك في هذا البلد آلاف النشاطات, آلاف المغريات, آلاف الصوارم, آلاف العقبات, الذي خرج من بلده ليحقق الهدف الذي من أجله خرج يبتعد عن كل الصوارم, وعن كل العقبات, ويعود, ويحمل هذه الشهادة.
فعلة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله.
كل إنسان يعاني من نقص في حياته فهذا نقص في استعانته لا في قدراته :
لكن الشيء الذي لا يصدق هو أن العبادة أمرك الله أن تستعين به عليها قال:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
وما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك, فالعبء ليس عليك, عليك أن تسأله الإعانة.
فالإنسان واقعه لا بقدر قدراته, ولكن بقدر استعانته, والخلل الذي يعاني منه لا لنقص قدراته, ولكن لنقص استعانته, ولو طلبت من الله أن تزيح هذا الجبل من مكانه, هذا الشيء مستحيل, جبل قاسيون لو طلبت من الله أن تزيح هذا الجبل صادقاً, لأزيح الجبل.
أي لا يوجد شيء صعب, الله موجود, كل شيء بيده, وكل شيء خاضع لأمره, وأنت معه.
فكل إنسان يعاني من نقص في حياته, نقول: هذا نقص في استعانتك لا نقص في قدراتك, وكل إنسان حقق شيئاً نقول له: هذا ليس من ذكائك ولا من قدراتك, ولكن من توفيق الله لك. فإذا كان كل الأمر بيد الله؛ والله على كل شيء قدير, وسميع, وبصير, ورحيم, وودود, فما الذي يعيقك على أن تستعين به؟ أن تكون من أعلى الناس إيماناً ومن أعظم الناس أعمالاً؟
مرة ذهبت إلى تركيا, فرجل عاش في عهد أتاتورك, وأتاتورك قتْلُ إنسان أهون عنده من قتل ذبابة, كان الرجل إذا وجِد معه مصحفاً يُقتل, أي كانت الأيام التي مرت بها تركيا عصيبة في عهد أتاتورك, شيء لا يصدق, أراد كمال أتاتورك أن يلغي الدين كله, ومع ذلك عاصره عالم من علماء تركيا؛ وله دعوة كبيرة جداً, وعاش عمراً مديداً, وترك آثاراً مهمة, ولا تزال آثاره حتى الآن, وهناك ملايين يسمعونه الآن, هذا درس لا يُنسى.
لا يوجد إنسان يعيش في ظرف لا يحتمل, الظرف الذي عاشه هذا العالم يجب أن يموت مليون بالمئة, ومع ذلك سلّمه الله, ونشر دعوته, ودعوته الآن قوية جداً, ويتبعه ملايين مملينة.
فلا يوجد غير الله, الأمر كله بيده, لكن الله أمرك أن تكون حكيماً, وأن تهتدي إلى الصواب دائماً، لذلك هذه الآية:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
العبادة طاعة ومحبة والاستعانة ثقة واعتماد :
العبادة طاعة ومحبة, والاستعانة ثقة واعتماد.
يمكن أن تعتمد على إنسان, ولا تثق به, ولكنك مضطر, مثلاً هناك مشكلة كبيرة جداً, ولا يوجد غير محام واحد وكلته, فأنت مضطر أن تعتمد عليه, ولكنك لست واثقاً منه, وقد تثق بإنسان ثقة مطلقة, ولا تعتمد عليه؛ لأنك مستغن عنه, إلا أنك مع الله, إن استعنت به فأنت تثق به كل الثقة, وتعتمد عليه كل الاعتماد.
فالعبادة طاعة ومحبة, والاستعانة ثقة واعتماد, والناس حيال هذه الآية:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية:5]
الناس أربعة أقسام :
الناس أربعة أقسام: قسم عبده, واستعان به, وهؤلاء صفوة الله من خلقه.
وقسم لم يعبده, ولم يستعن به, وهؤلاء أشرار الخلق.
وقسم لضعف توحيدهم, ولضعف إيمانهم, وهذا القسم يعنينا كثيراً؛ لأنه مع شديد الأسف ينطبق على معظم المسلمين.
وقسم عبده, ولم يستعن به, لضعف توحيده؛ صلى, وصام, وغض بصره, لكن ضعُف أمام قوى البشر, فظن أن هذه القوى قوى حقيقية, وأنه لا يستطيع أن يواجهها, فعبدهم, لكن لم يغلب على يقينه أن الأمر بيد الله, فما استعان به.
من الممكن أن تستفيد كل يوم من عشرات الدروس, مما يجري في الحياة في كل شيء؛ حتى في عالم التجارة, في عالم الصناعة, في عالم الزراعة, في عالم التعامل اليومي, مثلاً العصاة كيف يدمرهم الله؟ المؤمنون كيف ينصرهم الله؟ تحرك بعقل مفتوح, بنظر ثابت, بأذن مرهفة, اسمع، أحياناً كلمة تترك أثراً كبيراً، أصغ و اسمع, بهدف أن تعرف الحقيقة, فكل إنسان ينطق بالحكمة وهو لا يشعر، و قد قال بعض العلماء في قوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾
[سورة الشورى الآية:19]
لطيف؛ أي نور قلبك بالهدى, وربى جسمك بالغذاء, وأخرجك من الدنيا مع الإيمان بغير بلوى, وحرسك وأنت في لظى, حتى تسمع وترى, يرزق من يشاء الحكمة والفطنة, وهو القوي، والعزيز؛ عنايته ورعايته لا يبذلها لكل أحد.
على الإنسان أن يسعى دائماً لمعرفة الحقيقة :
قال أحد العلماء: الحكماء خلفاء الأنبياء, وليس بعد النبوة إلا الحكمة:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
[سورة لقمان الآية:12]
لقمان ليس نبياً, لكن تأتي مرتبته بعد النبوة, فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.
يمكن أن يتعلم الإنسان من كل شيء, أحياناً يتعلم من طائر.
سمعت عن الغربان؟ الغراب طائر ممقوت, لا أحد يحبه, لكن في مجتمع الغربان ببعض بلاد الهند, يتغذون على جوز الهند, فالغراب يحمل جوزة, ويحلق إلى مسافات شاسعة جداً, ويدعها, فتنزل على الأرض, وتنكسر, ينزل يأكلها, لكن هناك عرفاً بين الغربان: الذي حمل الجوزة, وألقاها من مكان مرتفع, لا أحد يقترب منها إلا صاحبها, وبنو البشر هناك عدوان على أملاك بعض الناس, يكون للإنسان شيء قد تعب فيه, فيأتي إنسان و يخطفه, الغربان يترفعون عن هذا.
أيضاً في عالم الحيوان هناك مواعظ كبيرة جداً, هناك حيوانات لا يمكن أن تواقع إناثها أمام الآخرين, من هؤلاء: الأسماك, الجمل, فإذا رآه أحد مع أنثى يحقد عليه.
فهناك حيوانات تترفع عن هذا, وهناك أشخاص من بني البشر يمارسون كل أنواع الغزل أمام الناس أحياناً, وهذه الظاهرة في الشام أصبحت غير معقولة!!
فلذلك: الإنسان يتعلم من حيوان أحياناً, يتعلم من قطة, أحياناً تلقي لها اللحمة, إذا ألقيتها أنت تأكلها أمامك, فإذا خطفتها, تأكلها بعيدة عنك, عندها شعور بالذنب أنها خطفت اللحمة.
فيمكن أن تتعلم من هرة, أن يتعلم الإنسان من أي حيوان؛ يتعلم الإنسان, يتعلم الطفل, يتعلم الكافر.
العبرة: أن يكون همك أن تعرف الحقيقة, أما تأخذ الحكمة بشكل مكثف, بشكل مركز, بشكل مطلق من الصحة، فمن الكتاب والسنة، يمكن أن تأخذها من أي تجربة.
فالحكماء خلفاء الأنبياء, وليس بعد النبوة إلا الحكمة.
وقالوا: الحكمة إحكام الأمور.
فضيلة الدكتور/ محمد راتب النابلسي
والحمد لله رب العالمين

31 ene 2016

قوة الكلمة وخطورتها في حياة الناس

 إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 
أحد معاني الإستقامة أن تعامل الناس كما أمرك رب الناس
قال الله تبارك وتعالى:
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)
[سورة النساء]
الآن سنستعرض فئات الناس التى أمرنا الله أن نعاملهم بالحسنى:
·       الوالدين (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
·       الأقارب كبيرهم وصغيرهم القريب منهم والبعيد الحاضر منهم والغائب (وَبِذِي الْقُرْبَى ‏).
·       واليتامى والمساكين .. فئة من الناس تحمل راية عالية، راية تنذر بالخطر، فكلما كان اليتيم مهملا في مجتمع ما كلما كان هذا المجتمع بعيدا عن رحمة الله، عليكم بقراءة سورة الفجر(وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ).
·       وهنا نصل إلى بوابة العالم الخارجي، ونظل نتدرج في المعاملات حتى نصل بها إلى العلاقات الدولية، بداية بالجار ذي القربى، فعندما أضاف الله إليه الجار الجنب فهذه إشارة واضحة إلى أن تشمل العلاقات الطيبة والمعاملة الحسنة كل البشر..( وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ).
·       الصاحب والصديق، شخصيات نحتاجها للتروية، للترويح عن أنفسنا، لإثبات جوانب الخير فينا وفي الناس، كل منا يحتاج لصديق ولصاحب نتعامل فيما بيننا بأواصر المودة والرحمة، وهي صفة لا يعطيها إلا الله، ومن الحكمة البالغة البالغة أن أضاف الله تبارك وتعالى إلى الصاحب بالجنب إبن السبيل، لنشمله بنفس الرعاية والمعاملة الطيبة التى نخص بها أصدقاءنا وأصحابنا، إنها تربية ربانية عالية المستوى، فهنيئا لمن تحلى بها وأخذها بقوة،( وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
·       (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ‏) فئة أنعدمت من مجتمعاتنا والحمد لله، ولكن هناك أشخاص سخرهم الله لنا ليخدمونا ويعاونونا على مشقة الحياة، فلابد أن نتقي الله فيهم ونعاملهم معاملة طيبة، وهنا يظهر الإيمان القوي السليم.
ثم يشرح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية الكريمة في حديث جميل تعشقه النفس قبل العقل ويحبه كل ذي لب وفطنة وذكاء :
لا‎ ‎يَسْتَقِيمُ‎ ‎إِيمانُ‎ ‎عبدٍ‎ ‎حتى‎ ‎يَسْتَقِيمَ‎ ‎قلبُهُ‎ ‎، ولا‎ ‎يَسْتَقِيمُ‎ ‎قلبُهُ‎ ‎حتى‎ ‎يَسْتَقِيمَ‎ ‎لسانُهُ ، ‏ولا‎ ‎يَسْتَقِيمُ‎ ‎لسانُهُ ولا يدخلُ رجلٌ الجنةَ‎ ‎لا‎ ‎يَأْمَنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ
الراوي أنس بن مالك‎ ‎المحدث‎: ‎الألباني ‏‎- ‎المصدر‎: ‎صحيح الترغيب‎ - ‎الصفحة أو الرقم‎: 2554‎خلاصة حكم المحدث‎: ‎حسن.
لا‎ ‎يَسْتَقِيمُ‎ ‎إِيمانُ‎ ‎عبدٍ‎ ‎حتى‎ ‎يَسْتَقِيمَ‎ ‎قلبُهُ
إذا لا تستقيم عقيدتنا إلا باستقامة القلب.. لأن مشاعرنا لها دخل كبير بتصرفاتنا، فإن استقام الإيمان استقامت مشاعرنا، أو استقام القلب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إذا فإستقامة القلب والمشاعر ( واستقامة المشاعر خلوها من الضغائن والنية السيئة) دليل على إستقامة الإيمان.
ولا‎ ‎يَسْتَقِيمُ‎ ‎قلبُهُ‎ ‎حتى‎ ‎يَسْتَقِيمَ‎ ‎لسانُهُ
وهنا نتذكر عطاء الله لعباده المؤمنين حين أمرهم بــــ:
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ
العفو عن الناس يقربنا من رحمة الله تبارك وتعالى، ويريح قلوبنا، فبالعفو ترتاح النفوس من وباء الضغينة والعداوة والبغضاء ومن وسوسة الشياطين.
‏ولا‎ ‎يَسْتَقِيمُ‎ ‎لسانُهُ ولا يدخلُ رجلٌ الجنةَ‎ ‎لا‎ ‎يَأْمَنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ
وهنا المصب بعد المنبع، فالكلمة فعل اللسان فإن سلم الجار من لساننا وأيدينا كان الإيمان سليما بسلامة القلب والعقيدة قوية بقوة الإيمان واللسان يلجمه معرفة الحلال والحرام ..
فاستقامة الإيمان والقلب واللسان تصب في معاملتنا للجار الذي اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم البوابة الرئيسية للعالم الخارجي.
الآن سنحاول استخلاص معاني الحديث الجميلة ووضعها في إطار بارز ليراها كل الناس فتابعوني رحمكم الله:
الإيمان  =   العقيدة
فبقدر قوة الإيمان تكون قوة العقيدة 

القلب  =  المشاعر
فيه تختلط الأفكار بالمشاعر فيتشكل الفؤاد

اللسان = الأفكار
وهو يعبر عن أفكارنا ومشاعرنا ونوايانا
فالكلمة كما صنفها الله إما طيبة أو خبيثة
·       إذا عقيدتنا هي دليل الإيمان، أو هي مرآة الإيمان، فقوة العقيدة مرتبطة بقوة الإيمان.
·       ومشاعرنا هي دليل قوة الإيمان أو ضعفه، فعندما تكون عقيدتنا مهزوزة وغير قوية تهتز مشاعرنا ويجد الشيطان الفرصة أمامه ليدس فيها الحقد والضغينة وينشر العداوة والبغضاء بيننا..( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ).
·       أما الكلمة فهي التى تحمل معها مشاعرنا وأفكارنا ونوايانا، فهي إما سهم موجه إلى من نتحدث إليه إن كانت خبيثة، وإما رسول للمودة والرحمة والعلاقة الطيبة.
وسنرى سويا حوارا دار بين زعيم أهل النور وزعيم أهل الظلام، بين إمام المتقين وعمدة الفاسدين:
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
حوار سيدنا إبراهيم نبع من إيمانه والنور الذي في قلبه، وذكر هذه الآيات الكريمة ينبهنا بأهمية أرتباطنا بنور الله وبالنور الذي جاء به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.