17 dic 2015

إذا أصبت اليقين في أي من مجالاته الشاسعة فأنت في معية الله


الفجر وليال عشر (4)
اليقين والتقوى قرينان إن غاب أحدهما غاب الآخر
1 ـ علم اليقين . 2 ـ عين اليقين . 3 ـ حق اليقين.
اليقين والتقوى لا يمكن أن يفترقا أبدا .. وذلك بدليل الآية الكريمة التالية :
(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَبِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
لابد لنا أن نكون على يقين من كتاب الله، أن نؤمن بالغيب وكأننا رأيناه بعيوننا، كانوا قديما عندما يقفون للصلاة كانوا يرتجفون خوفا من الله لأنهم كانوا يرون الكعبة أمامهم والجنة عن يمينهم والنار عن يسارهم فتوجل قلوبهم لأنهم يعلمون علم اليقين بل يرون بأعيونهم ما غاب عنهم واخبرهم به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم .. ومراحل اليقين وضحها لنا ربنا في الآية التالية :
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) التكاثر.
فإما أن نعلم علم اليقين ونستسلم لله، وإما أن نصل إلى عين اليقين فنتقي الله  ونتقي النار وكأننا نراها .. وإما أن نعيش باليقين الكامل وهي درجة الإحسان في كل شيئ وهي أن نعبد الله وكأننا نراه....
وهذه هي الحالات الثلاثة التى تساعدنا الآن على أن نقوم بالعبادات المطلوبه في هذه الأيام الجليلة المفترجة من ذي الحجة.. فنصلي ونلبي وكأننا نرى الكعبة الشريفة .. ونستحضر في قلوبنا الطواف والصفا والمروة ونعيش شعائر ومناسك الحج بالتعظيم المناسب والملائم لها وذلك هو عين اليقين ..
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج
كيف سنعظم حرمات الله إن لم نكن على يقين بها؟ ثلاثة أشياء هي دليل تعظيم حرمات الله :
أولا : أجتناب الرجس.. والرجس هو كل شيء سلبي وهو كل إثم وعدوان. الكذب والغش والخداع.
ثانيا : ثم أجتناب الرجس من الأوثان.. أن يعبد الإنسان هواه.. أو يتبع طاغية من طواغيت هذا الزمان، أو يجعل في قلبه حبا أشد من حب الله ورسوله وجهاد في سبيله .. ففي عصرنا هذا تغير شكل الصنم فأصبح هو الهوى أو الشيخ أو الأستاذ أو القائد أو الزوجة أو الأبن أو المصلحة الشخصية أو فلان وعلان من الناس.
ثالثا : إجتناب قول الزور... وهذه هي الحفرة الكبيرة التى نقع فيها دون أن ندري .. فأحيانا لا نقول الزور ولكننا نؤيده أو نصدقه أو نسكت عنه أو نصفق له أو نتبع من يقوله ويعمل به...  والأمر من الله بالإجتناب هو الإبتعاد كلية عن الزور وقول الزور...
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)الحج
تعظيم شعائر الله تحتاج منا إلى يقين نتدرج فيه من علم اليقين إلى عين اليقين إلى حق اليقين  وذلك بدليل الآية التالية :
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ(50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) الحاقة
هذا القرآن هو تذكرة للمتقين، الذين هم به موقنون، وهم منه على يقين، وهو بالنسبة لهم حق اليقين فسبحان ربي العظيم .
هذه مرحلة يجب أن نمر بها كلنا .. مراحل اليقين الثلاثة.. فالإيمان محله القلب.. وتقوى الله محلها القلب .. واليقين بالله وكتبه ورسله محله القلب ...
زادنا الله وإياكم علما وهدى ويقينا وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .. وإلى أن نلتقي في الغد القريب إن شاء الله لكم منى أجمل دعائي وحب واحترامي ..
استودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

القلب هو ملك متوج من قبل الرحمن لذلك لن يجد راحته إلا في رحاب من خلقه سبحانه

اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ

القلب المنيب
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) عافر
القلب المنيب هو الذي يرى آيات الله .. لأنه يؤمن بها .. والقلب المنيب له ذاكرة قوية وجاهزة  بمعنى أن الشيطان لا يستطيع العبث بها ... والقلب المنيب صاحبه دائما منشرح الصدر... لأنه عندما ينيب الإنسان ويرجع إلى ربه ينشرح صدره وقلبه.. بدليل الآية الكريمة:
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) الأنعام
القلب المنيب هو قلب سعيد .. صاحيه يعيش في سعادة دائمة .. وهو دائما منشرح الصدر صاحب ابتسامة في معظم الأحيان..
والقلب المنيب قلب لا يعرف الرجس طريقا إليه ... أي لا يستطيع الشيطان أن ينفذ إليه بألاعيبه الملعونة.. فهو ليس له سلطان على الذين آمنوا:
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ . { النحل }.
والقلب المنيب ، قلب رقيق ورحيم .. قلب ذاق طعم رحمة الله .. فهو يرحم خلق الله.. لأنه عرف أن الله تفضل عليه برحمته ليرحم هو من حوله من خلق الله...
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
والقلب المنيب قلب قد هداه الله ... وهو قلب خالي من الأمراض... قلب لايعرف الحقد ولا الحسد ولا الضغينة ولا النفاق..
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا


هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) غافر
هذه ليست إلا تذكرة ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين... هذا والله أعلى وأعلم

إذا أردت تحقيق شيء ما بقوة فعليك بالتقوى فهي طريق التفوق وتحقيق الأحلام الكبيرة

تقوى الله حق تقاته هي طريقنا الممهد إلى الإحسان

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الذاريات]
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15)
عندما نتقي الله، ونتقي النار، ونتقي اليوم الآخر الذي لا تجزي نفس عن نفس فيه شيئا، إذا فنحن في جنات وعيون..
لأن في الجنة ملائكة، وفي بيوت الصالحين ملائكة كرام تتنزل عليهم قائلين لهم (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) إذا عندما نقرأ القرآن في بيوتنا، يتحول البيت إلى جنة تحفه الملائكة، وعندما نتدارس القرآن مع أهلنا يتحول البيت إلى دار علم تظله الملائكة بأجنحتهم، وعندما نقوم بأي عمل وتزيين المنزل في سبيل الله يتحول البيت إلى دار استقبال وإلى روضة من رياض الجنة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا " ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " مَجَالِسُ الذِّكْرِ "
والآن مع الآيات التى نحن بصددها نستمد منها قوتنا وحيويتنا ونُحيّي بها قلوبنا:
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)
صفتهم في الحياة الدنيا أنهم كانوا محسنين، لذلك وصانا ربنا في وصاياه ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) وكأن نتيجة عدم الشرك بالله نراها واضحة في الإحسان بالوالدين وبكل الناس والمخلوقات، حتى الذبيحة نذبحها فنحسن ذبحها.
كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)
أول صفات الإحسان، قيام الليل، منجاة رب الكون، والتضرع إليه، إنها درجة العارفين المحبين لله رب العالمين ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، جعلنا الله وإياكم من المستغفرين بالأسحار، ومن الذاكرين  الله ليل نهار.
وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)
هذه فرصة عظيمة جدا، من عرفها وذاق طعمها لا يمكن له أن يسلاها، حتى إن بعض الصالحين أصبح يشتهي قيام الليل والإستغفار والتوبة ليل نهار فخاف على نفسه لكونها شهوة تشتهيها نفسه كما تشتهي الطيب من الطعام.
‏ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)‏
وهنا أقدم نصيحة أخوية في الله، وهي لا تطع نفسك إذا ما حدثتك بعيوب السائل، بأن تقول لك مثلا هو شاب ويستطيع أن يعمل، أو تقول لك سيأخذ النقود ويشتري الخمر أو شيئا من هذا القبيل، أو تقول لك لقد اتخذها مهنة وهو معه من النقود ماليس لك.. لا تطعها واعطه فهذا هو طريقك إلى الإحسان إلى نفسك وإنقاذها من الشح والبخل ومن النار، فإذا نجحت في ذلك ستجد نفسك تلقائيا تبحث عن المحروم لتعطيه، لأن نفسك قد ذاقت حلاوة الإيمان الكامنة في الإحسان.
وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[الذاريات]
وقبل أن نختم هذا اللقاء المبارك بفضل الله، أوجه عناية حضراتكم إلى شيء جميل جدا ومهم جدا وخطير جدا، وهي النفس، علينا أن نصاحبها في الدنيا معروفا، بأن نزكيها، وبأن ننمي فيها كل ما هو طيب وفطرنا الله عليه، أنظر إلى صورتك عندما كنت طفلا، وتذكر الجانب الإيجابي فيها، وتذكر كل من أحبك ودللك وتمتعت بطفولتك معه، من أبويك وسائر الناس.
فهذه هي صورتك الذاتية التى صورنا الله عليها فأحسن صورنا، وأبدأ في حذف كل ما علق بالصورة من سلبيات وذكريات مؤلمة، وتذكر أن الذي خلقك هو الرحمن الرحيم وهو الغفور الودود وهو ذو العرش المجيد المبدئ المعيد والفعال لما يريد، فاركع له في خشوع وذلك ورجاء لكي يعيد لك صورتك الجميلة التى خلقك عليها، ثم استودعها عنده سبحانه ليحفظها لك.
إن فعلت ذلك فلن تضل أبدا ولن تشقى حتى تلاقي ربك، وذلك بدليل الآية الكريمة:
قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)
[سورة طه]
هذه من السور الجميلة جدا والمريحة للنفس والتى تدخل السرور والبهجة إلى القلوب، ففيها يشرح لنا ربنا ما جعله فينا من خلق عظيم مثل العقل والنفس والقلب والروح والمشاعر وكل ما وهبنا الله تبارك وتعالى ورأيناه خالصا في الأنبياء والرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ... وأرجو من الله العلي العظيم أن تكون أنت داعية إلى الله بحسن استقبالك لآياته وتطبيقها فيتبعك كل من رأى فيك حسنا في الخلق والدين.

حدث نفسك بما حدثك به ربك فتحملك كلماته إلى أعلى حيث النقاء والصفاء وأصل كل جمال

إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرً
*******
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) الأحزاب
***
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء
***
كل جزء من الثانية في عمر الدنيا يسبح لله فيه من في السموات ومن في الأرض، ألا تحب أن تكون في زمرة المسبحين ؟ عندما نسبح لله العلي العظيم نخرج من دوائر الدنيا المغلقة ومن دوائر أنفسنا الضيقة إلى دوائر الكون الفسيح، ونسبح فيه ونُسًبح بحمد الله فتنفرج فينا الخلايا وتنتعش أفئدتنا وتطمأن قلوبنا.. أنظر إلى مخلوقات الله عندما يذوب الجليد فيخرج كل من مكمنه يتنفس الصعداء وتغرد العصافير بحلول موسم الربيع فرحا وبهجة وسعادة..
تسبيحنا لله العلي العظيم يصلح لنا ما أفسدناه بأيدينا وبأيد الناس في عموم حياتنا وخصوصها.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
****
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)
*****
عندما يحيطك الناس بكلامهم وسوء ظنهم فعليك بالصبر وتسبيح الله كما أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم واعكف على هذا حتى تشعر بالرضى الذي وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم .
في رمضان وفي أثناء الصيام تكون النفس أقرب ما تكون للخشوع.. فهي تلمس نفحات ربها، وهي ترى في هذه النفحات سعادتها الحقيقية وهي تستسلم لصاحبها لأنها تكره الجوع والعطش، وتأبى إلا الحصول على رغباتها، ولكنها في رمضان تستكين، وتعود إلى طبيعتها الحرة الطاهرة التقية، فانتهز هذه الفرصة واصحبها معك في تسبيح لله رب العالمين فتسعد هي بك وتسعد أنت بها، ويقربك ربك ويصلح لك حياتك وقلبك ويشرح بالقرآن صدرك.

لك من الله رسالة فهل خصصت لها دقيقة من وقتك؟

إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ‏
***
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ  "
ثُمَّ قَرَأَ : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
***
حال بعض الناس بعد الدعاء:
فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
[سورة العنكبوت آية رقم 65]
والحال التى يجب أن نكون عليها عندما ندعو ربنا:
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ
[ لقمان آية رقم 32 ]
[  خَتَّارٍ كَفُورٍ  ] أي غدار جاحد للنعم.
الآن لدينا من الله العزيز الحميد بلاغا على لسان سيد الخلق وأشرفهم وأرفعهم مكانة الصادق الوعد الأمين الذي بعثه الله فينا هدى ورحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، فهل أنتم مستمعون؟
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ‏
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ سورة الأنبياء].
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟
أسلمنا لله رب العالمين .. ينتابني إحساس قوي وعميق بمعنى جديد للإسلام .. معنى جديد لهذا السؤال [فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ..
في الحقيقة هو ليس جديدا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لنا الإجابة الصحيحة على هذا السؤال عندما قال :
" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ "

تحقيق ذاتك والرقي بها واحتضانها وتزكيتها هي عبادتك الأولى





غاية وجودنا هي عبادة الله ..و كل نعيم نتمناه في حياتنا الدنيا سيتحقق عندما نسعى جادين إلى تحقيق هذه الغاية العليا والهدف الكبير .. من أجل هذا حقق هدفك وارسم مستقبلك هنا وهناك فإن أجل الله آت .

خلال عمرنا الذي حدده الله لنا نقابل في حياتنا أهدافا كثيرة قد تحققت .. حققها من هم مثلنا أو ربما أقل منا .. لأن المواهب والقدرات قد وزعها ربنا بالعدل والإحسان .. وكل منا يتميز على الآخر بما ليس عنده .. فنجد فقيرا صادقا وغنيا ليس له في ميزان الحق وزن.

وجعل لنا ربنا في أنفسنا آيات كبيرة جدا وهي مبهرة كما ننبهر من آيات السماء .. كل ما هنالك أن تنتظر يوم ولادتها بإكتشافها ومحاولة تنميتها ووضعا في حيز التنفيذ ...
فإن المشاهير ولدوا ولم يعلموا شيئا البتة .. ولكنهم اكتشفوا ذاتهم ذات يوم فانبهروا وحققوا المعجزات ... أما عنك أنت صديقي فإن مواهبك الكبيرة التى لم تكتشفها بعد تنتظرك لتخرج إلى حياة الإبداع والتميز والعطاء والنجاح الكبير ...
وإن لم تصدقني فعليك بقراءة السورة التالية بتمعن وتدبر ثم اسجد لله شكرا واطلب منه أن يعينك على اكتشاف نفسك ومعرفتها فهي كنزك الخفي الذي لن يزول أبدا:
(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)
 

معطيات التميز والتفوق وأصول الحياة الطيبة ستجدها هنا في انتظارك

عندما تندمج وتنسجم حياتنا مع منهج الله الواحد القهار فهي حياة طيبة

مفهوم الدين  والحياة من خلال آية وحديث.
(حديث مرفوع) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ الْقُطَعِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ :
" اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي ، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ " .
في هذا الحديث النبوي الشريف نجد الشرح الوافي للمعنى الكبير للدين مع الحياة، فلا حياة  بغير دين .. ولا دين بغير حياة...  وهذا المعنى أيضا نجده في الآية التالية:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
[ سورة الأنفال ]
وقال أيضا تبارك وتعالى:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ سورة الروم ].
حنيفا بمعنى مائلا .. أي مائلا إلى الحق وإلى دين الله .. أو مائلا عن الباطل وعن مغريات الحياة.. أي أن الإنسان يميل بطبعه إلى الدين .. وهذا المعنى بالذات وعلى وجه الخصوص نجده في الحديث التالي:
لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
الراوي عبدالله بن عمرو بن العاص. المحدث النووي. حسن صحيح.
وهنا نرى أنه يجب علينا تبديل هوانا بأن نستبدل أفكارنا عن الحياة، فنستبدل كل هوى ليكون وفقا لما جاء به الحبيب المصطفى  صلى الله عليه وسلم، لأن الإنسان يهوى ما يفكر فيه.
نحن نفعل ذلك مع من نحب .. فعندما نكون في حضرة شخص عزيز علينا لا نفعل إلا مايحب .. ونتجنب فعل الأشياء التى يكرهها أو لا يميل إليها، والله تبارك وتعالى يقول:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[ سورة الحديد آية رقم 4]

الإحباط سهم مسموم أصابك به الشيطان

عندما تنفد طاقتك الإيجابية النورانية فعليك بهذه

بسم الله الرحمن الرحيم
أحيانا يحتاج الإنسان أن يرى موقفه من الله، هل هو بعيد أم قريب؟ هل سيقبل الله دعاءه وتوبته ؟ هل سيغفر الله له؟
قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة:
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
إذا لجأنا إلى العزيز الحميد ندعوه ونسترحمه فقد استجبنا له وقد حقت ووجبت إجابته سبحانه وتعالى لدعاءنا .. حسب ما جاء في الآية.. ويا حبذا لو قدمنا مع الدعاء صيام يوما إيمانا واحتسابا لوجه الله الكريم، لأن هذه الآية جاءت بعد آيات الصيام.
وقال الله تبارك وتعالى أيضا في سورة غافر:
إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
الساعة هنا قد تكون ساعة الأجل.. أجلنا الذي أجله الله لنا… فلنبادر بالتوبة والإستغفار.
قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ عَافَيْتُ ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ " .
قال الله تبارك وتعالى:
وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
عندما تشتد بنا عواصف الحياة الدنيا، وعندما تأخذنا دوامات المشاكل والأفكار العقيمة، وعندما يصب علينا أعداءنا الشماتة والنقد اللاذع محاولين تحطيم البقية الباقية من طاقتنا الإنسانية والنيل من عزيمتنا، عندئذ عليك بهذه الآية من سورة الأحزاب، اكتبها وضعها أمامك وفكر فيها وتدبرها جيدا، ثم عاهد ربك أنك لن تفسد في الأرض ولن  تقول إلا قولا يرضيه وذلك ما استطعت.. والنتيجة ضمنها لك ربك في هذه الآية الكريمة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
ثم بعد ذلك تحلى بالصبر، ولكن صبرا يصاحبه آمال كبيرة وعريضة في ما عند الرحمن من نفحات ورحمات وبركات .. صبرا مصاحبا بثقة كبيرة ويقين برب العالمين الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وهو على كل شيئ قدير، ونتيجة صبرك ستجدها واضحة في الآية التالية:
"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)" [ سورة البقرة]
في نفس اللحظات التى نناجي فيها ربنا سبحانه وتعالى سنشعر برحماته ونفحاته وهدايته التى سنجدها في كلمات الدعاء المصاحب بدموع الندم والخشوع.

جدد أفكارك لتأتيك حياة جديدة بشكل جديد وبهجة وفرح وسرور

جدد حياتك بتجديد أفكارك ونواياك فيهديك ربك سبيل الرشاد والفلاح

من كتاب رياض الصالحين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
باب الإخلاص وإحضار النية
في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
(حديث مرفوع) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ , حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ . ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ , أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَا : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ أَخْبَرَهُ , أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ , أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ , فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ :
" إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ , وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى , فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ , فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ , وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا , فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " .
النية هي التى تحدد وجهتنا في الحياة، يسميها الغرب الهدف، وكما أن هناك نوايا كبيرة وخالصة لوجه الله تعالى فهناك أيضا أهدافا كبيرة سامية وخالصة من كل سوء، فالطالب الذي يدرس ليصبح طبيبا هذا هدف كبير وسامي فلو أخلص هذه النية لله رب العالمين أصبح عملا صالحا يؤجر عليه بإذن الله.
قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
" إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، رِضًا بِمَا يَطْلُبُ " .
الإخلاص وإحضار النية
في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
هذا معناه الكبير والفعال أن تكون كل حركاتنا بنية مسبقة، وكل أقوالنا منبعثة من فكرة فعالة سامية، وبذلك يجنبنا الله السفف والسخف والزلل والسقوط في براثن الشيطان الرجيم .. فالموت يأتي فجأة ومن مات على شيء بُعث عليه.
وعن الإخلاص يحدثنا المولى عز وجل :
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)
[سورة البينة].
وقال الله تبارك وتعالى:
لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ
[سورة الحج 37]
وقال أيضا سبحانه وتعالى:
قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
[آل عمران]
ولدينا في كتاب الله صورة واضحة كل الوضوح من جميع جوانبها وزواياها عن الإخلاص، صورها لنا ربنا تبارك وتعالى لنتعرف على أنفسنا[ تلك النفس التى بين جنبينا ] فنعرف كيف هي وإلى أي شيئ تميل ومتى تُخلص لله ومتى تُعرض عنه، قال الله تبارك وتعالى :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
[سورة يونس 22]
مثل واضح وشامل يوضح لنا الحياة الدنيا منذ بداية عمر الإنسان وحتى نهايته، فلن نجد في رحلة حياتنا غير هذه الصورة الواضحة المعالم [ طبعا مع اختلاف الظروف والملابسات والأحداث والأفكار] ولكن المثل ثابت وإن اختلفت الأسباب .. وهيا بنا نستوضح هذا من الآيات ونقربه إلى أنفسنا فربما خشعت واستسلمت لله رب العالمين:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا
هو سبحانه وتعالى يسيرنا في البر والبحر، فحركة الإنسان في الحياة لا تخرج عن كونها في البر بشتى وسائل المواصلات أو في البحر في الفلك .. إذا ستأخذنا الحياة الدنيا، سنحقق أحلامنا، ستجرفنا تيارات الهوى كما يجرفنا الموج وتيارات الماء، وهنا وجب علينا أن ننتبه لشيء:
جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ
هذه الريح العاصف تمر بكل البشر، وهي أما لترفعهم درجات عند ربهم، أو لتؤدبهم وتردهم إلى خالقهم، أو لتقسمهم نصفين وتقضي عليهم.. والذي يهمنا هنا سنجده في تكملة الآية فتابعوني رحمكم الله : [ لاحظوا كلمة أحيط بهم، فنحن محاطين برعاية الله والحمد والمنة والشكر لله رب العالمين ].
وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
يحكي لنا فضيلة الدكتور النابلسي جزاه الله خيرا أن مجموعة من الملحدين استقلوا الطائرة في طريقهم لمؤتمر علمي، فجأة تضطرب الطائرة بسبب مرورها بصواعق جوية وعواصف، وعندما أخبرهم قائد الطائرة بذلك الكل رفع يديه إلى السماء يدعو الله.
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
إذا نحن نريد أن نخلص لله ديننا في جميع مراحل حياتنا وفي كل تحركاتنا، فهذا ما قد أمرنا به ربنا .. ولكي نتذكر علينا بمتابعة  الآيات التالية:
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ
[سورة غافر]
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
هذا ما نحتاجه دائما فالدعاء هو العبادة .. وقالوا أنه مخ العبادة .. وأيضا قالوا أنه روح العبادة.. والدعاء جاء في كتاب الله بمعنى الصلاة.
هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۗ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[ سورة غافر الآية 65 ]
وطالما أننا وصلنا لسورة غافر المملؤة بالدعاء سنعود إلى أولها حيث الملائكة حاملي العرش ومن حوله يدعون للذين آمنوا .. أتمنى على الله أن يشملنا بدعائهم وأن نكون من الذي اتبعوا سبيل رب العالمين:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وهذه هي نتيجة الإخلاص لله رب العالمين، ونتيجة أن يكون عملنا وحركاتنا في الحياة الدنيا وكذلك كل أقوالنا كل كلمة نتفوه بها خالصة لوجه الله تبارك وتعالى.
ونختم بآية في منتهى الإبداع والأمل في الله رب العالمين .. سيعرف كل منا مكانته من الله تبارك وتعالى:
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
[ سورة الأعراف]
سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد أن لا إله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك