30 jul 2015

أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ :
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا



لا زلنا في الوصية الأولى من وصايا الرحمن لعباده الكرام، واليوم إن شاء الله سنحاول أن نتدرب على طاعة الله كما أمرنا، حتى ينمحي الشك والشرك الخفي وكل مواطن الرياء من أنفسنا، فالتدريب العملي يعطينا الخبرة اللازمة لننهض بأنفسنا.وقد تدربنا في الأسبوع الماضي على ضبط اللسان، وعاهدنا ربنا أننا لن نقول ما يغضب ربنا، والآن سنتدرب على تنفيذ أمر الله لنا بأن نكون من المقسطين، أي عادلين.
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)(الأعراف)


قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ

أمر الله كل خلقه بالقسط أي بالعدل، وأمرنا نحن المسلمين أمر خاص جدا فيه رقي ونهوض وقيمة إنسانية لا تقدر بمال... وهي أن نكون عادلين مع الرحمة والرأفة وخفض الجناح، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).

وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

هذه نقطة تحتاج منا إلى تدريب عملي في كل مرة نقيم فيها الصلاة، لأن الصلاة هي وسيلتنا المثلى للحصول على الطاقة الروحية الربانية الكبيرة عندما تخشع قلوبنا، وهي وسيلتنا لنبرهن عن مدى إيماننا وحبنا لله العلي العظيم، ولدينا حديث:
إذا قامَ العبدُ يصلِّي أقبلَ اللَّهُ عليهِ بوجهِهِ ، فإذا التفتَ أعرضَ اللَّهُ عنهُ وقالَ : يا بن آدمَ أَنا خيرٌ مِمَّن تلتفتُ إليهِ ، فإذا أقبلَ على صلاتِهِ أقبلَ اللَّهُ عليهِ ، فإذا التفتَ أعرضَ اللَّهُ عنهُالراوي : جابر بن عبدالله المحدث : ابن القيم، خلاصة حكم المحدث :صحيح
درب نفسك بكلمات الذكر وبإستحضار النية أن ستقف أمام وليك ومليكك وخالقك الذي بيده ملكوت كل شيء، بيده صحتك ومرضك، غناك وفقرك، شقاءك وسعادتك، حدث نفسك بذلك فربما خشعت لله الواحد القهار.

وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

أول دعاء نقوم به في الصلاة هي فاتحة الكتاب، فلنخلص لله ونتلوها حق تلاوتها، وليكن حالنا هو الحمد لله رب العالمين، الذي جعله الله بين اسميه الرحمن الرحيم في الأول والآخر.

كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)

ينتابني إحساس قوي، بأننا عندما نخشع في صلاتنا ونقف في ذٌل وخشوع بين يدي الله فإنه سبحانه يعيدنا سيرتنا الأولى، يعيدنا لفطرتنا السليمة النقية، وصبغتنا الأساسية التى صبغنا الله عليها، هذا والله أعلى وأعلم.

فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
(الأعراف)

لا يجب أن ننسى أبدا أن هناك فريقان، فريق في الجنة وآخر في النار، والتقسيم بدأ منذ أن هبط سيدنا آدم إلى الأرض، وفي عصرنا هذا فإن التقسيم أصبح بلا مواراة، فقد أفصح كل فريق عن نواياه، ومنهم من خلع عن وجهه القناع وعرى نفسه بغير حياء.الآن سلنبي نداء ربنا تبارك وتعالى في خشوع ومذلة ورضا لعلنا نرتاح من سوء المنظر ويقينا ربنا سوء المنقلب إن شاء الله:
متن الحديث عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال :
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا
يا عبادي :
كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم
يا عبادي:
كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم
يا عبادي
كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم
يا عبادي
إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم
يا عبادي
إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني
يا عبادي
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا
يا عبادي
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا
يا عبادي
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحريا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )
رواه مسلم .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا

شهادة من العزيز الحميد بأنك مؤمن يتبعها وصية منه سبحانه


بسم الله الرحمن الرحيم 
هل تعرفون كيف أرى موضوع النداءات والوصايا؟
حاولو تعطوني اهتمامكم لدقائق معينة، ولكن عليكم بتخيل ما سوف أحاول أن أصوره لكم، وكأنها صورة حقيقية ترونها بأجنحة الفكر فيكم، فخير أوقات حياتنا هي التى تحلق فيها عقولنا حول بعض الحقائق:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا

احيانا عندما ننهي دراستنا بأي مكان ( ولنفرض مثلا كلية الهندسة) نحتفل بهذا التخرج، ونفرح بحمل لقب مهندس، ونحمد الله أن مجهودنا خلال السنوات الماضيه قد كلله الله بالنجاح، الآن أصبحت مهندسا أو طبيبا أو محاسبا ...
ومنذ هذه اللحظة سيضاف بجانب أسمك كلمة مهندس أو دكتور أو أستاذ أو إلى آخره... لقد حصلت على لقب سيظل معك طول العمر ... 


هذا نفسه ما يحمله لنا نداء رب العالمين لعباده المؤمنين.... ينادي علينا ربنا بأحب الألقاب لدينا، وبأحب الصفات التى نسعى دائما للحصول عليها، وهي أغلى من لقب مهندس أو طبيب أو دكتور لأنها من الواحد القهار....


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا

الآن ينادي عليك ربك لُيُثّبت لديك لقب مؤمن... هل تستوعب هذا؟ ينادي عليك ربك في الدنيا أمام كل خلقه، نداءا يشرفك فيه بلقب مؤمن.... وكأني بالله يقول لك أنت يا من آمنت بي ...

لَا تَقُولُوا رَاعِنَا 

أقبل فعندي لك عمل هو من صميم اختصاصك، عمل يليق بلقبك الجديد، ولكن عليك أن تتبع المنهج الذي سأعطيه لك، وذلك بأن تترفع عن الكلمات البذيئة، والتى أساسها فكرة شيطانية تبناها أولياءه ... ترفع عن ذلك وقل :



وَقُولُوا انْظُرْنَا

بما أنك آمنت بالواحد القهار الذي له ملك السموات والأرض فلابد لك من أن ترقى بمستوى فكرك وكلامك وتصرفاتك بأن تقول ما لا يغضبني منك، ومثال ذلك أن تستبدل كلمة راعنا وشبيهاتها من قاموس البذاءة إلى كلمة راقية جدا وشبيهاتها من قاموس الكتاب والسنة...

وَاسْمَعُوا

والآن ... منذ هذه اللحظة التى نجحت فيها بأن تنتقي كلماتك ولبيت ندائي وأطعتني ... فقد أصبحت مسئولا ومطالبا بالسمع والطاعة لله رب العالمين....


وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ

ولا تنسى خلال مراحل حياتك كلها أن هناك هذا الصنف من الناس وهم كثير ... وستقابلهم بكل ركن من أركان الحياة، وبكل زاوية وناصية وشارع ومصنع، ستجد ألوانا وأصنافا من الناس فكن حذر ...
ثم بعد تلبية النداء والحصول على لقب مؤمن والمرور بسور القرآن الكريم نستقي منها أخلاقنا ونستمد منها النور الذي جاء به سيدنا ومولانا وقائدنا وحبيبنا المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم ... 

وعندما نصل إلى سورة الأنعام ... ونعرف كل ما حرم علينا فيها ربنا من الماديات من غذاء الجسد، ونصل إلى الآيات 153/152/151 سنجد ما يلي من وصايا غالية عزيزة وكريمة كلها محبة وقرب وصلاح وتقوى ودرجات عليا بعضها فوق بعض:

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ 


وهكذا بعد 11 اجتماع مع نداءات رب العالمين لعباده المؤمنين نجد أنفسنا أهلا لأن نحمل وصاياه سبحانه وتعالى علوا كبيرا...
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
(151)


وكل وصية هي درجة عالية جدا نرقى ونرتفع بها بقدر ما لدينا من أهتمام وإيمان بها... والآن تلخيص تصوري 
للنداءات مع الوصايا:
عندما نلبي نداءات ربنا، ونطبق ما جاء بها، فنكون كمن تخرج من معهده أو كليته أو جامعته أو مدرسته، ونمضي في حياتنا العملية نواجه كل تحدي بناء على ما تعلمناه ... وبعد فترة سنجد أنفسنا وقد اكتسبنا الخبرات العالية جدا.. والتى سيضيف عليها ربنا بكرمه ورحمته بعضا من الحكمة مع الصبر مع الفهم مع الإدراك مع الثبات... 

ونظل هكذا متمرسين في الحياة وفي جعبتنا النداءات وفي يدنا راية العلم مع الإيمان ... في هذه الحالة سيُسكن الله وصيته في قلوبنا وعقولنا ونجد أنفسنا سعداء بوصية ربنا لنا وبحملها ومواجهة الدنيا بها مواجهة الواثق بربه وبأنه هو سبحانه الواحد القهار.

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

الكلمة كالسهم إذا انطلق فإنه لا يعود إلي يوم القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم

النداء الأول في سورة البقرة:


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(سورة البقرة الآية104)

الوصية الأولى في سورة الأنعام:
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
(سورة الأنعام الآية 151)



والآن لدينا سؤال :
ما هو العامل المشترك بين الوصية والنداء؟

والإجابة ستحدد البداية التى يجب علينا أن نبدأ بها ... ولدينا مزيد من الأسئلة التى تجعلنا نُعمل عقولنا وقلوبنا في تدبر نداءات والوصايا لنلبي عن إدراك وبيقين فإن التقوى واليقين بالله قرينان إن غاب أحدهما غاب الآخر.

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

· أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا

· وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
· وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ

· وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ

· وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ



أرجو ملاحظة أن الله تبارك وتعالى قسم الوصايا إلى أقسام ثلاثة، نبدأ بأول قسم منها إن شاء الله فربما حصلنا على شهادة من العلي العظيم بأننا من الذين يعقلون.
من أصحاب العقول الراجحة، فقد سمعت من الدكتور النابلسي عبارة جميلة جدا تقول:
( أن أرجحكم عقلا أشدكم حبا لله) وهذه الخمسة الأولى هي للعقل لأن الله ختمهن بلعلكم تعقلون.
أنا في انتظار تشغيل ماكينات الفهم والبحث والتحري وتدبر الكون من حولنا فما بقي لدينا قليل لأن النهاية قد اقتربت جدا .. أكاد أراها على الأبواب تطرق باب العقول برفق لنستيقظ قبل فوات الآوان وذلك بدليل الآية التالية
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون

سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد أن لا إله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك.


كل خلل في العقيدة يقابله ابتلاء في حياتنا اليومية

كل خلل في العقيدة يقابله ابتلاء في حياتنا اليومية



بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله خالصا لوجهك الكريم، واجعل جمعنا هذا جمعا مباركا فيه، تطهر فيه قلوبنا وعقولنا وذاكرتنا، وتزيدنا فيه تقوى وهدى وترزقنا فيه رزقا حسنا، وتهدنا سبيل الرشاد...
يا رب العالمين إن أول ما يجب أن نلبي في حياتنا هو نداءك، وأول وصية يجب أن نعيها ونعمل بها ونوصي من بعدنا هي وصاياك، فاغفر لنا إسرافنا في أمرنا في كل ما مضى من عمرنا بغير أن ننتبه لنداءاتك أو نعمل بوصاياك ووصايا نبيك المصطفى الصادق الوعد الأمين الذي بعثته بالحق هدى ورحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم.



قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
1. أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا 
2. وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا 
3. وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
4. وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ 
5. وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 
(151)
1. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ 
2. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا 
3. وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
4. وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(152)


وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 
(153)(سورة الأنعام)



أول ما نلاحظه هنا أن هناك ثلاثة مراحل، مرحلة عقلية بحته وهي مكونة من 5 وصايا، ختمها الله تبارك وتعالى (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
معنى ذلك أنه لدينا الآن أمر واضح من العزيز الحميد في صورة وصية أن نشغل عقولنا منطقيا فيما وصانا به ربنا العزيز الحميد لكي تستقيم لنا الحياة، هل أنتم معي؟
وبناء عليه سنمسك أول حبل من حبال المنطق الرباني الكامن في وصيته الأولى:
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
كلمة تعالوا من العلو والارتفاع والترفع عن الخطأ والإسفاف في القول والعمل وهي على خلاف كلمة أقبل، فهذه معناها أن تقبل من مكان إلى آخر، أما كلمة تعالوا عما أنتم فيه من أحوال.
وسنضيف شرح لفضيلة الدكتور النابلسي لتبسيط المسألة ونعرف بالضبط ماذا حرم علينا ربنا:


﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
أيها الإخوة الكرام ، آيات كثيرة سبقت هذه الآية تتحدث عن المحرمات من الطعام والشراب ، وهذه القائمة الثانية من المحرمات ، والتي تتحدث عن محرمات الاعتقاد والسلوك ، الطعام والشراب قوام حياة الجسد ، من الطعام ما هو محرم كلحم الخنزير والدم ، ومنه ما هو حلال ، والمحرمات من الاعتقاد والسلوك هذه تعيق قوام الحياة الروحية ، أنت لك حياتان ، حياة الجسد ، وحياة الروح ، أو حياة النفس ، الجسد قوامه الطعام والشراب ، والنفس قوامها أن تعرف الله ، وأن تبتعد عن الشرك به ، فكما أن هناك محرمات تفسد صحتك هناك محرمات تفسد سعادتك .
نفهم من كلام فضيلة الدكتور أننا في مرحلة متقدمة جدا من كتاب الله، ففي نداءات سورة البقرة عرّفنا ربنا فيها كيف نتكلم وماذا نأكل وكيف ننفق وكيف نعيش وكيف نتعامل وكيف نبيع ونشتري وكل ما من شأنه الانضباط في حياتنا اليومية الاعتيادية، وسوف نعود إليها إن شاء الله لاحقا.
1. أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا 
أما الآن فلدينا وصية قوية لو غفلنا عنها أصبح في توحيدنا بالله خلل كبير، وهو خفي لا نراه، إلا بعين المحلل الفاحص المراقب لأحواله ولكلامه ولكل ما يُلم به من أحداث، لأن كل خلل في العقيدة يقابله ابتلاء في حياتنا اليومية الاعتيادية وذلك بدليل الآية التالية:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
الغاية من الابتلاءات في منتهى الوضوح:
· فالذي لا يخاف من الله أو يخشى أحد الناس كخشية الله يبتليه الله بالخوف من كل شيء حتى يرده إليه فيقول ويلمس ويرى ويعرف أنه لله وأنه إليه سيرجع قهرا. والفطن والكيس هو الذي يرجع إلى ربه في حياته الدنيا عند الابتلاء.
· وبالجوع يبتلينا ربنا ليعالج فينا الخلل الذي أصاب عقيدتنا، والجوع أسبابه كثيرة جدا ومسبباته أيضا كثيرة وغالبا ما تكون عقائدية لأن الجسد مرتبط ارتباطا وثيقا بطريقة تفكيرنا.
· أما عن نقص الأموال والأنفس والثمرات فكلها مرتبطة ارتباط وثيق بالعقيدة، يبتلينا ربنا بكل تلك الابتلاءات أو ببعضها ليردنا إليه بعد أن نصحح مسارنا العقائدي.
وعن الشرك قال الله تبارك وتعالى:

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
وفي آية أخرى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)


اليوم لدينا تمرين جميل جدا، سيصلح لنا كل خلل أو عطب أو تقصير في حياتنا الروحية أو النفسية، لا تتهاونوا فيه لأنه هو مدخلنا الحقيقي لإذابة الشرك في قلوبنا وعقولنا كما يذوب الملح في الماء قال الله تبارك وتعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
أجعل بداية كل أعمالك تكون بسم الله الرحمن الرحيم، عندما تستيقظ، وعندما تتوضأ وعندما تأكل وعندما تخرج من بيتك وعندما تعود إليه، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)). 
أولي الألباب أي أصحاب العقول النيرة.
· ضع نفسك بالكامل نفسيا ومعنويا وبكل كيانك في موقف الحمد لله رب العالمين، صحح به كل ما اختزنته في ذاكرتك من الماضي، استرجع ذكرياتك، أعد شريط حياتك بعد ركعتين خالصتين لله رب العالمين، ثم طهر مشاعرك ومخاوفك وكل ما يسوئك بأنك واقف بين يدي الرحمن الرحيم.
· علينا أن ندرك تماما أن نجاتنا تكمن في موقف الحمد لله رب العالمين لأنه بين اسمي الرحمن الرحيم في الأول والآخر.
· فإذا طالبتك نفسك بالخروج فذكرها بالآية الثالثة أنها لن تخرج إلا إلى (ملك يوم الدين).
هذا واستودعكم الله دينكم وأماناتكم وعهدكم ... وما فيه من خطأ فمني واستغفر الله لي ولكم، ومافيه من صواب فمن الله وهو رزقا حسنا لي ولكم.

العامل المشترك بين النداء والوصية .. فهل انتبهت ؟

العامل المشترك بين النداء والوصية

الخميس 12 مارس 2015
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين المبعوث بالحق هدى ورحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم...
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واخرجنا من ظلومات الجهل والشرك والرياء إلى أنوار العلم والمعرفة وارزقنا الإخلاص لك وحدك في القول والعمل.
أما بعد أحبتي في الله...


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
وفي هذا النداء لدينا أمر ونهي، ينهانا عن أن نقول كلمة راعنا، ويأمرنا بأن نقول انظرنا، إذا هنا لدينا نهي عن شيء وأمر بآخر.

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا 

ونجد في الوصايا نفس الأسلوب يحرم علينا ربنا الشرك ليدعونا إلى توحيده سبحانه، ويحثنا على الإحسان بوالدينا لينهانا عن عقوقهم، وهكذا في سائر الوصايا...
ولكن أين هو العامل المشترك بين الوصية والنداء؟


حديث شريف:
روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا : 
وما الشرك الأصغر ؟ يا رسول الله ، قال : الرياء ، يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة : إذا جُزِيَ الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ) .


إذا فالرياء شرك بالله 
والعياذ بالله

وفي النداء يأمرنا ربنا:
لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا
إذا فالشرك أن نعلن غير ما نخفي، وأن نقول كلاما يخالف حقيقة مشاعرنا، ومواطن الشرك في الكلام كثيرة جدا ومنتشرة جدا في مجتماعتنا العربية، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم كل هذه الأنواع في جملة واحدة من جوامع الكلم حين سئل عن الشرك بالله فقال:
( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) متفق عليه.
إذا فالرياء من الشرك، وقد حرم الله الشرك وبالتالي فالرياء حرام، وهذا هو العامل المشترك بين الوصية والنداء...يأمرنا الله تبارك وتعالى بأن نبتعد كل البعد عن الكلام الخبيث ولا نقول إلا طيبا، ثم يوصينا بعدم الشرك به سبحانه.الآن سنعود إلى الآية الكريمة التى نعتبرها ها مقياس الإيمان لدينا في جميع مراحل حياتنا وفي كل أحوالنا:
يقول الله تبارك وتعالى:

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

عندما يصيبنا حزن أو قلق أو ما يسوءنا فلنعلم أننا قد وقعنا في منطقة مظلمة، نتيجة كلمة أو فعل أو نية سلبية، فلنستغفر الله ولنراجع حساباتنا مرة بعد مرة حتى يكشف الله لنا خطأنا بالتوبة والاستغفار.
وقد أهدانا الله تبارك وتعالى كنزا كبيرا من كنوز الجنة وكنوز الرضا وكنوز السعادة والغبطة والأمن والآمان:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)
(سورة الأحزاب)
وفي سورة الحديد أيضا هبة عظيمة من الله العلي العظيم لعباده المؤمنين:هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)
ينزل فعل مضارع، على عبده صلى الله عليه وسلم ليخرجنا من الظلومات إلى النور، ربما بالصلاة والسلام على سيدنا محمد يخرجنا ربنا من ظلومات أنفسنا ومن كل السلبيات إلى النور، فمن لم يصلى على الحبيب المصطفى فقد حرم نفسه من الخير كله.
خلاصة مستفادة من درس اليوم:
-الكلام الطيب من النور وهو إيجابي وقد أمرنا الله به.
-والكلام الخبيث من الظلام وهو سلبي وقد نهانا الله عنه.
-والشرك بالله فهو من الظلام لأنه ظلم وهو سلبي وقد حرمه الله علينا.
-والإخلاص لله من النور وهو إيجابي وقد وصانا الله به.

هذا والله أعلى وأعلم 
سبحانك اللهم وبحمدك .. أشهد أن لا إله إلا أنت .. أستغفرك وأتوب إليك

9 jul 2015

لك من الله نداء ووصية بهما معا ستحقق ذاتك وتصبح من الناجحين

بسم الله الرحمن الرحيم
الآن وفي هذه الأيام المباركة الجليلة من شهر الخير والبركات سنعيش مع النداء السابع في سورة البقرة…
نداء يعد بابا كبيرا لتحقيق الذات، وللرقي بمهارتنا وملكاتنا ومواهبنا، نداء به نحقق ذاتنا، ونكتشف قدراتنا الحقيقية الكامنة بداخلنا، لكي نصنع مستقبل أفضل لنا ولأولادنا ولمجتمعاتنا.
يقول الله تبارك وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
الآن سنرى العلاقة الوثيقة بين هذا النداء وبين الوصايا العشر:
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ:
  • أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
عدم الشرك بالله يتطلب منا أن نخلص لله تبارك وتعالى، أي أن ننفق مما لدينا من إخلاص فنوجهه لله تبارك وتعالى.
[ وهنا ندرك صفة الإخلاص ونحققها ونفعلها بتوجيهها إلى الله العلي الكبير فتنمو وتكبر ونصبح بفضلها مخلصين بإذن الله تعالى ] وهذه صفة يحبها كل البشر حتى الملائكة تستبشر وتبشرنا بها.
  • وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
عندما نحسن لوالدينا فهذا معناه أننا قد عرفنا الله، وأحببناه وأطعناه سبحانه في صورة الإحسان بالوالدين. فالإحسان دليل الإيمان، لأننه نعبد الله وكأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا. وهو أجمل ما يمكن أن نعطيه للآخرين.
  • وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
هنا يأمرنا الله بالرضا بالقليل، ويوحي إلينا ويبين لنا أننا نملك ما هو أعظم من المال، نملك القدرة على العطاء مما لدينا من قيم ومبادئ وأخلاق أولها الصبر والرضا، فهما قرينان إن غاب أحدهما غاب الآخر[ مقولة لحكيم ].
  • وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
هنا نكتشف أن لدينا إرادة، ولدنا بها، ولكي نعرفها جيدا أنظر إلى الطفل في مراحل نموه، كيف إنه يحبو أولا ثم يسحف ثم يمشى بغير توازن ثم يتماسك في مشيته ثم ينطلق مسرعا، ثم يجرى، وقد يسقط عشرات المرات ولكنه دائما يحاول حتى ينجح.[ إنها الإرادة التى نكتشفها عندما نجتنب ولا نقترب من الفواحش ظاهرها وباطنها.
وهي من فضيلة الأخلاق وهي عند الله كبيرة جدا حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقًا "
  • وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وعدم قتل النفس، يحتاج منا لضوابط إيمانية، لأن الله حرم قتل النفس، وهذه الضوابط الإيمانية تعتبر إنفاق مما لدينا من أيمان وأخلاق ابتغاء مرضاة الله وطاعة لأوامره ونهيه سبحانه.
  • وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
عندما نطبق هذه الوصية بحذافيرها سنتكتشف في أنفسنا فضيلة العفة والعفاف، فننميها وننفق منها في حياتنا العامة والخاصة، فتتعود أنفسنا وتتدرب عقولنا على العفاف، فلا نرتشي ولا نسرق ولا نسلب أحدا حقه.فنصبح بواصايا ربنا أقوياء محترمين من الناس ومن أنفسنا.
  • وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
مزيدا من مجالات الرقي والسمو الأخلاقي، فالوفاء في الكيل والميزان يحتاج لإمانة وعفة وشرف ورجولة، وكل ذلك قد اكتسبناه من إيماننا بالله العلي العظيم والآن منه ننفق لنحظى بحب الناس واحترامهم وتنمو فينا كل قدراتنا المدفونة بداخلنا، فنصبح أعضاءا عاملين في مجتمع يرفع راية الإسلام.
  • وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
والعدل سمة كبيرة وصفة حميدة تدل على سمو أخلاق صاحبه، وعندما نقول الحق ولو على أنفسنا هذا معناه أننا أصبحنا أمناء عند الله وبين الناس، وهنا تنمو فينا وتكبر صفة الأمانة والعدل والصدق، ومن كل ذلك ننفق ونتعامل مع الناس.
ويختم المولى عز وجل هذا الجزء من الوصايا قائلا:
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
يقول الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله أن العقل البشري يعمل حسب آخر تجربة، بمعنى أن لو آخر تجربة لدينا في الحياة هي تطبيق الوصايا فإن عقلنا سيخزن تلك الوصايا في ذاكرتنا، ويستخرجها لنا مع كل ما يلزمها من ملفات عندما نحتاج إليها….
وهذه هي مهمة العقل في حياتنا، وهو يعمل تلقائيا في الإيجابيات والسلبيات بنفس القوة، فالإنسان الذي ينفق في سبيل الله تجد عقله يجهز له كل ملفات الإنفاق، التى استوعبها من خلال الآيات القرآنية، وكل ذلك في أقل من ثانية عندما يرى من يستحق الإنفاق عليه سواء ماديا أو معنويا.
وكذلك الإنسان الذي تعود البخل فتجد عقله يجهز له كل ملفات البخل ويقدمها له في كل مرة يبخل فيها عن الإنفاق، حتى إنني سمعت ذات مرة مقولة قوية جدا عن البخل، لن أقولها حتى لا أساهم في نشرها.
الآن نأتي للوصية العاشرة والأخيرة:
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
(سورة الأنعام)
إذا هي التقوى، فتقوى الله تجعلنا ننفق مما رزقنا، من كل ما رزقنا، تلبية لنداءه وتنفيذا لأمره سبحانه وتعالى وتطبيقا للمنهج واتباعا لخطوات الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الآن سأترككم مع النداء ومع أعظم آية في كتاب الله والتى جاءت بعد النداء مباشرة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

جعل الله آية الإنفاق تسبق آية أعظم آية في كتاب الله، ربما لأهمية الإنفاق في سبيل الله، وربما ليكون الله ورسوله أحب إلينا مما لدينا ومما سواهما، وربما لنرقى بأنفسنا ونكتشف أن ما عند الله خير وأبقى…
ولكن مما لا شك فيه أن الإنفاق المادي والمعنوي يجعلنا سعداء، أقوياء، رحماء ومحبوبين من الله وملائكته ومن الناس.
لو قدر الله لي مزيدا من رحمته وفضله سنتحدث عن آيات الإنفاق، لنعرف عظمته وعظيم شأنه، فالإنفاق في كتاب الله دائما يأتي مع أجمل الصفات الإيمانية والأخلاق الربانية، ومصاحب بكل فئات المجتمع القريبة والبعيدة.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعلنا من المعتوقين من النار في رمضان واجعلنا اللهم برحمتك وفضلك وكرمك من عبادك الصالحين التوابين المتطهرين واجمعنا بحبيبنا وقائدنا ومعلمنا وشفيعنا الذي آمنا به واتبعناه ولم نراه صلى الله عليه وسلم .
آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين